شيخ محمد قوام الوشنوي
259
حياة النبي ( ص ) وسيرته
وأخبره انّ ذلك سيشتدّ عليهم وسيقولون ليس بنا الغنيمة وهم كاذبون ، فقال اللّه تعالى قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً . . . الخ . وقال العلّامة محمد رضا : واختلف الناس في المراد من الفتح ، فقال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب : الفتح هنا فتح الحديبية ، وقيل الفتح المراد هو فتح مكة ، فنزلت السورة عند مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها ، وعبّر فيه بالماضي لتحقق وقوعه . ونرجّح انّ الفتح المقصود هو فتح الحديبية ، لأنّ هذه الآية قد نزلت بعد انصرافه منها ، وهذا الفتح مقدمة لفتح مكة . وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم « 1 » : من حديث مجمع بن جارية الأنصاري الأوسي قال : شهدنا الحديبية ، فلمّا انصرفنا عنها وجدنا رسول اللّه ( ص ) عند كراع الغميم وهو موضع أمام عسفان ، وجمع الناس وقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فقال رجل : يا رسول اللّه أو فتح هو ؟ قال : اي والذي نفسي بيده انّه الفتح . وروى موسى بن عقبة والزهري والبيهقي عن عروة بن الزبير قال : أقبل النبي ( ص ) راجعا ، فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صددنا عن البيت وصدّ هدينا وردّ رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه . فبلغه قول ذلك الرجل ، فقال : بئس الكلام ، بل هو أعظم الفتح ، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسئلوكم القضيّة ويرغبوا إليكم في الأمان ، ولقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم اللّه عليهم وردّكم سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح ، أنسيتم يوم أحد إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أنسيتم يوم الأحزاب إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ الآية . فقال المسلمون : صدق اللّه وصدق رسوله هو أعظم الفتوح ، واللّه يا نبي اللّه ما فكّرنا فيما فكّرت فيه ، ولأنت أعلم باللّه وأمره منّا . . . الخ .
--> ( 1 ) مسند الإمام أحمد 3 / 420 ، المستدرك للحاكم النيسابوري 2 / 459 .